ابن خلكان

327

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

صحيحا ؛ قال أبو علي : وعاش بعد ذلك عامين ، وكنت أسأله عن شكوكي في اللغة وهو بهذه الحال فيردّ بأسرع من النفس بالصواب . وقال لي مرة وقد سألته عن بيت شعر : لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم ، قال أبو علي : ثم قال لي : يا بنيّ ، وكذلك قال لي أبو حاتم وقد سألته عن شيء ، ثم قال لي أبو حاتم : وكذلك قال لي الأصمعي وقد سألته . وقال أبو علي : وآخر شيء سألته عنه جاوبني أن قال لي : يا بني حال الجريض دون القريض ، فكان هذا الكلام آخر ما سمعته منه . وكان قبل ذلك كثيرا ما يتمثل : فواحزني أن لا حياة لذيذة * ولا عمل يرضى به اللّه صالح وقال المرزباني « 1 » ، قال لي ابن دريد : سقطت من منزلي بفارس ، فانكسرت ترقوتي ، فسهرت ليلتي ، فلما كان آخر الليل غمضت « 2 » عيني فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا « 3 » دخل علي وأخذ بعضادتي الباب وقال : أنشدني أحسن ما قلت في الخمر ، فقلت : ما ترك أبو نواس لأحد شيئا ، فقال : أنا أشعر منه ، فقلت : ومن أنت ؟ فقال : أنا أبو ناجية من أهل الشام ، وأنشدني « 4 » : وحمراء قبل المزج صفراء بعده * أتت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا * عليها مزاجا فاكتست لون عاشق فقلت له : أسأت ، فقال : ولم ؟ قلت : لأنك قلت « وحمراء » فقدمت الحمرة ثم قلت « بين ثوبي نرجس وشقائق » فقدمت الصفرة ، فهلا قدمتها على الأخرى ، فقال : ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض ؟ وجاء في رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي النحوي قال : أنشدني ابن دريد هذين البيتين لنفسه ، وقال : جاءني إبليس في المنام وقال : أغرت على أبي

--> ( 1 ) انظر نور القبس : 343 . ( 2 ) المرزباني والقفطي : حملتني ؛ بر : أغمضت . ( 3 ) الكوسج : الذي ليس على عارضيه شعر . ( 4 ) ديوانه : 86 .